ابن رشد

305

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

كتاب الكتابة والنظر الكلي في الكتابة ينحصر في أركانها وشروطها وأحكامها . وأما الأركان فثلاثة : العقد وشروطه وصفته ، والعاقد ، والمعقود عليه وصفاتهما . ونحن نذكر المسائل المشهورة لأهل الأمصار في جنس جنس من هذه الأجناس . القول في مسائل العقد فمن مسائل هذا الجنس المشهورة اختلافهم في عقد الكتابة : هل هو واجب أو مندوب إليه ؟ فقال فقهاء الأمصار : إنه مندوب . وقال أهل الظاهر : هو واجب ، واحتجوا بظاهر قوله تعالى : * ( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) * والامر على الوجوب . وأما الجمهور فإنهم لما رأوا أن الأصل هو أن لا يجبر أحد على عتق مملوكه حملوا هذه الآية على الندب لئلا تكون معارضة لهذا الأصل ، وأيضا فإنه لم يكن للعبد أن يحكم له على سيده بالبيع له وهو خروج رقبته عن ملكه بعوض ، فأحرى أن لا يحكم له عليه بخروجه عن غير عوض هو مالكه ، وذلك أن كسب العبد هو للسيد . وهذه المسألة هي أقرب أن تكون من أحكام العقد من أن تكون من أركانه ، وهذا العقد بالجملة هو أن يشتري العبد نفسه وماله من سيده بمال يكتسبه العبد . فأركان هذا العقد الثمن والمثمون والأجل والألفاظ الدالة على هذا العقد . فأما الثمن ، فإنهم اتفقوا على أنه يجوز إذا كان معلوما بالعلم الذي يشترط في البيوع . واختلفوا إذا كان في لفظه إبهام ما ، فقال أبو حنيفة ومالك : يجوز أن يكاتب عبده على جارية أو عبد من غير أن يصفهما ويكون له الوسط من العبيد ، وقال الشافعي : لا يجوز حتى يصفه ، فمن اعتبر في هذا طلب المعاينة شبهه بالبيوع ، ومن رأى أن هذا العقد مقصوده المكارمة وعدم التشاح جوز فيه الغرر اليسير كحال اختلافهم في الصداق ، ومالك يجيز بين العبد وسيده من جنس الربا ما لا يجوز بين الأجنبي والأجنبي من